الغزالي
25
إحياء علوم الدين
فسلَّم ، فجعل كلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله ، يفر به ، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون منه . ففعل ذلك مرارا ثم وقصه فقتله . فقيل يا رسول الله ، إن الأعرابي قد صرعه قلوصه ، وقد هلك . فقال « نعم وأفواهكم ملأى من دمه » وأما أداء المزاح إلى سقوط الوقار ، فقد قال عمر رضي الله عنه ، من مزح استخف به وقال محمد بن المنكدر ، قالت لي أمي ، يا بني لا تمازح الصبيان فتهون عندهم . وقال سعيد ابن العاص لابنه ، يا بنيّ لا تمازح الشريف فيحقد عليك ، ولا الدنيء فيجترئ عليك . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ، اتقوا الله وإياكم والمزاح ، فإنه يورث الضغينة ، ويجر إلى القبيح . تحدثوا بالقرءان ، وتجالسوا به ، فإن ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال . وقال عمر رضي الله عنه . أتدرون لم سمي المزاح مزاحا ؟ قالوا لا . قال لأنه أزاح صاحبه عن الحق . وقيل لكل شيء بذور ، وبذور العداوة المزاح . ويقال المزاح مسلبة للنهي ، مقطعة للأصدقاء . فإن قلت . قد نقل المزاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكيف ينهى عنه فأقول . إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقا ، ولا تؤذى قلبا ، ولا تفرط فيه ، وتقتصر عليه أحيانا على الندور فلا حرج عليك فيه . ولكن من الغلط العظيم ، أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه ، ويفرط فيه ، ثم يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم . وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ، ينظر إليهم وإلى رقصهم ، ويتمسك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن [ 1 ] لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد . وهو خطأ . إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار ، ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار . فلا ينبغي أن يغفل عن هذا